النفس بين الوعي والإدراك


النفس بين الوعي والإدراك

مفهوم البيئة في حياتنا يصدق على كل فرد بحد ذاته ، فهو الساكن في البيئة والبيئة نفسها في ذات اللحظة …؟! 
فالبيئة هي  مجال روح الذرة ؛ الذي يعد أصغر دائرة تكون الكون من حولنا ، فلكل  جزيئ تشكل من تلك الذرات  بيئة لكل فرد من مكنوناته …        
النفس تتأثر بالبيئة دائرتان منفصلتنا ، فدائرة البيئة متضمنة لدائرة  النفس ، ويحصل من ذا الاجتماع تبادل مصور في دورين لهما نفس الخصائص ، ولكن عن طريق التعاكس  ،فلكل واحد منهما خاصية الإرسال والإستقبال ، فالإنسان يتكون من منظومة معقدة من العواطف …!؟
 والعاطفة تتمتع بخاصية الإرسال والتلقي بشكل واضح ، فكل شخص يرسل عاطفة ليستقبلها الشخص المقابل مُرسلًا بذالإستقبال ليتلقاها الُمرسلُ الأول ، وهكذا نعيش في منظومة معقدة يملأها الإرسال والتلقي … 
ووهب الله الإنسان الإدراك ليكون آلته في الأثر والتأثر ، ويقوم العقل الواعي بوزن  المتلقيات وإمرارها في منظومة أفكاره المعقدة ، ليَخرُجَ بعد ذلك بنتيجة عن المتلقا ، فالحب كعاطفة لها دلالات وإشارات موصلة إليه ، كأن يقوم شخص بتقديم هدية ، النتيجة بعد مرورها على العقل الواعي تكون ؛ هذا الشخص يحبني بعد ذلك يقوم العقل الواعي بإرسال تلك النتيجة إلى العقل الباطن ، وتقوم الذاكرة بتسجيل الموقف الذي استفيد منه للوصول إلى هذه النتيجة … ، ويكون اجتماع النتائج في العقل الباطن المشكل لأداة الوعي . 
يعطينا الإدراك القدرة على ممارسة الحياة دون النظر في تفاصيل الأشياء …
للإنسان شقان للنظر متأثران بمعادلة معقدة تجعل من التعامل مع الحياة أكثر إستيعابا ،وهما النظر بالوعي والنظر بالإدراك ، غالبا ما يخالف الإدراك الوعي للاختلاف التخصص من حيث الوجود ، فالوعي هو القدرة على النظر في تفاصيل الأشياء وغاياتها المختلفة والعيش في واقع معقد من تزاحم الأسباب والمسببات وجودا وإرادة ، بخلاف الإدراك هو النظر للتعاطي مع المواقف ، فللوعي شق التحليل ، وللإدراك شق التنفيذ ، متأثران ببعض من حيث القدرة على تعيين المفيد وترك خلافه في اللحظة التالية .
ولتلخيص العلاقة بين الوعي والإدراك إليكم الصورة على سبيل التوضيح ، لو أن شخصا صعد إلى سطح بناء مشرف على المدينة ، وقام بالنظر إلى الإطلالة في ذاك الفضاء الرحب ، منظر جميل البنايات والطرقات وحركة الناس كأبها صورة تبدو بها المدينة ، فالوعي يصدق أن مجال العيش هو كامل هذا المنظر البديع ،والإدراك يكذب ذلك لمحدودية المجال الذي يدركه ويمكنه التعاطي معه ، وهي الدائرة التي يستطيع التأثير والتأثر بها ، فالوعي يجعل من عمود الإنارة والرصيف و الدكان من أشياء مملة لا نكترث عادة بمرورنا بجوارها إلى أشياء أكثر جمالا تحث على التأمل بها على حقيقتها ، فإن كانت الفجوة كبيرة بين الوعي والإدراك قد ينشب صراع داخلي لدى الشخص بين الوعي والإدراك فيقوده للجنون ومن ثم الإنتحار ، وكلما كانت الفجوة أقل حجما كل ماكان الصراع في ثنايا النفس أقل تأثيرا ، وفي الحالات النادرة يكون مساويا مما يجعل لا فرق من النظر للحياة من مكان عالي يدعو للتأمل أو من مكان منخفض فالتأمل والتعاطي موجود في ذات اللحظة …؟!

والحزن والسعادة ،نقيضان إذا تعلق الأمر بنتيجة واحدة دون القياس وفق قوانين تعقيدات النفس البشرية ، إذ النقيض في هذه الحالة قد يستلزم وجود الآخر معه مصاحباً له بالتصال في حالات معينه و قليلة ، وقد يكون منفصلًا عنه في كثير من الحالات …، فللحزن خاصية العمق والبقاء ، وللسعادة خاصية الاضمحلال والضحالة …!؟  
والنفس البشرية تروي قصة وجودها في الحياة ، انبثاقاً من الحزن بحثاً عن السعادة ، سيرا عبر الزمن من فجر التاريخ ومرورا بأشكال الحضارة حتى وقتنا هذا . 
فالترتب هنا ترتب الغائية للوصل وتغيير الأصل . 
ويقودنا هذا التصور لطرح سؤال ليعيد الدفة لأساس الدراسة .
ما هي أفضل حالة للإنسان ؟ هل هي خروجه من الحزن للدخول في السعادة ، أو دخوله في السعادة بعد خروجه  من الحزن …؟! حيث أن التفضيل متعلق بانطباعه في الإحساس …؟!

يتوقف الأمر هنا على مقدار الفجوة بين الإدراك والوعي .

 فإذا كانت الفجوة بين الإدراك والوعي كبيرة ، مما يؤدي إلى الاضطراب ، فتكون النفسية نوع مضطرب ، هناك تفضيل كبير للدخول في السعادة على حساب الخروج من الحزن ، وذلك لبحثه عن مسببات سكون النفس ، ليجعل من السعادة كالمخدر ليفقد بها شعور الضغط الذي يترتب على عدم الإستقرار لديه ، وهي بطبيعة الحالة المتربة عليه ، فينطلق من تعويض النقص الذي يتشكل لديه ، وعلى ذلك تجد حالة هؤلاء الأشخاص المضطربون حال خروجهم من غمرة السعادة شديدوا الإضطراب ؛ لكون الاضطراب لديهم لم يعالج في الحقيقة ؟! وإن كان الهدوء بادياً على صفاتهم وتصرفاتهم في الظاهر ، فالمخدر الذي تناولوه نتيجة دخولهم في السعادة يجعل من تحكمهم في اضطرابهم ضعيف أو منعدم ، فيستقظوا على اضطراب شديد ، فيكون مقياس ردة الفعل لديهم شديدة بقدر تكدس الاضطراب داخليا ، لكي يعاودوا التحكم من جديد في اضطرابهم وهذه سمتهم في الحياة التحكم طوال الوقت باضطرابهم …!!؟ 

ويحل ذلك محل ، أثر زوال الضرورة مقدم على أثر زوال الحاجة  ،فتعويض النقص
لديهم ضرورة ، والخروج من الحزن للدخول في السعادة حاجة ، وغاية معروفة . 

وإذا قلة الفجوة بين والوعي والإدراك لدى الإنسان ، يكون في حالة إستقرار نسبي ، يعود إلى مدى حجم الفجوة بينهما،وعلى ذلك ينتج لنا نفسية نوع متوسط ، فوجود الإستقرار لديهم يخلق حالة من النظر باتزان لأولويات الأمور ، وأثرها على النفس بالتبعية ، فالإنسان يستطيع العيش حزيناً دون أن يسبب ذلك توقف لحياته ، ولكن تشكل الغاية لديه الخروج من الحزن ملبياً بذلك الحاجة التي تدفعه للبحث عن طرق للخروج من حزنه والدخول في حالة السعادة ، ومن هذا تجد أن أصحاب النفسية المتوسطة يفضلون حالة الخروج من الحزن على الدخول في السعادة ؛ مما لها بالغ الأثر العميق في النفس ، كونها منطلق البحث عن السعادة حتى لو كانت السعادة هي الغاية ومنتهى السؤال …!!؟

وهذا يخرج بأن يحل ذلك محل زوال الحاجة الضرورية ، مقدم على زوال الحاجة
 التحسينية ، فالإنطلاق بحثا عن الخروج من حالة الحزن حاجة ضرورية ، مقدمة على خلق أجواء سعادةٍ عُرِفَ أصلها من قبل ، كحاجة تحسينية .

إذا انعدمت الفجوة بين الوعي والإدراك ، أو كانت شبه معدومة ، وهذه حالات نادرة جدا ، يكون فيها الإنسان في حالة استقرار تام ، تسمى بالثبات وتكون النفسية هنا نوع مساوي ، وهنا ترتفع النفس عن الحاجة الضرورية أو التحسينية ، والحالة هنا إنسجام مع جميع الحالات ، الحزن وحالة الخروج منه وحالة الدخول نحو السعادة والسعادة نفسها ، فترجمة تلك العواطف لديهم مستقلة عن ردة أفعالهم ، مع وجود بالغ الإحساس في جميع الحالات ، فهم ليسوا بعديمي الإحساس ، وهذا يفسر تساوي الكفتين لديهم ،بين الوعي والإدراك .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطوات مسافر

كواشف

مكان لا يشبه الأماكن