سماء أخرى
لَم أَعلَمُ ، أنَ يَوميَ الذي أَعيشُهُ في أَغوارِ أَعماقي ، لا يَكادُ أنَ يَتَعدّى خَمسَ دَقائِقَ ، و البَقيَةَ تَخلُدُ فيها سَمَائي في سُبَاتٍ عَميقٍ ، توصِلُني
للخَمسِ دَقائقَ القَادِمَةَ في غُضونِ الألَمَ .
خَمسُ دَقائِقَ تَنّفَجِرُ مِنها أَنهارُ روحي ، دَفَّاقةٌ حَريريةَ الكَثافة ، طافِقَةً بِالسَلامِ في كُلِ مَوجٍ يُخلِّفهُ مَعَهُ نَسيجُها ، جَراءَ حَرَكَتِها المُنّسَجِمَةَ ، تَغّمُرُ المدى البَعيدُ ، حُسناً وَ جَمَالا باهِلاً ، يَتَأَصَلُ في كُلِ شَيءٍ تَعُمّهُ عيني ، لِتَرمِشَ الجفون رضية هنيئة بمسلك الجنان ، الُمنسَدِلِ فيَّ واهِبٍ في كل فَرّسَخ بِذرَةَ لِوَطَنٍ جَميل ، يَنمو إلى أن تَتَفَرَع أَغصاني ثِماراً يانِعَةَ الحَصادِ ، هاقد أشرَقة هالَتي في الوُجود ، ساعية في أَرجائَي ، تغسل ما قد تُوَاريه الحياة ، من تَقَلّبِ الكائِناتِ في عَيني الغائِرة .
اعطني القَلَمَ لأَكتُبَني على سَفحِ الهَوى ، كالهُلامِ مُنساباً يَذَرُني بِلا قَيدٍ لأَختَلِطَ في رملِها فَلاةُ للعاشقين . سبيلاً لِرحلَةٍ لم تَبدَأ وَ قد فَنَت في قلبي معالمها ، فَلا أَصِلُني قَبَلَ ذلك ، و يَومَ أن القاكَ ، و اكتُبَكَ للغُربَةِ نَذير من قَلّبٍ جادَ على أجسادي بِفَيضِ حرفٍ من عُمُر ، قد بَدَى مُخَيماً على العَابرينَ يوم بَدت من طياتي إكليلُ الحُبُ ، وُسِمَت اشجاني على رؤوسهم ، من جاب في رَدَهاتي ثاوياً ، في قَلبيَّ عَذبُ الَمقَامِ ، يَنصِبُ الِخيَامَ ،في فلاة من هنا وهناك ، أسمَعُ صَوتيَّ يُقَلِبُ الثرى ، على مَن رَكَبَ سَفحَ الهوى ، من وَطئَةِ الفِراقِ ، مارين بِكُلِ الجِهاتِ إلا وَجهً لا يَعرِفُ الذَاكِرَةَ .
مِن شَأني أَن أَنظِمَ القلوبَ عِقداً ، يَتَقَلّدُهُ مَن سَكَنَ حَرفي ، يَنبِضُ في الجيدِ ، لِتَنصَهِرَ أحشائي و تُصَبَّ للعَطّشى في صحرائيَّ الُمجدِبَةَ ، بات وجودي في الحياةِ أَكثَرَ إتِّساعى ، وباتت مَعَها الأيامُ ، في المرايا مُتَأخِرَةً عن لَحَظاتِ تَأمُلي ، فَكَتَبتُ الحياةَ بِشَكلٍ مَعكوفٍ مِن كُلِ دَفّةٍ أُصادِفَها ، لأصِلَها بِجانِبِها الآخر ، فَتَتَشَكَلُ مَداراتٍ جَديدةٍ يَتَدفَّقُ خِلالَها حَرفُي ، و تَدورُ الأبجَديَةُ في فَضائيَّ الدوّارِ أسيراً مُنطَلِقاً من سَمائي الأولى ، تَقِلُني كَيفَما أَرى سَمائيَّ شاهِقَةَ الارتفاع ، واسِعَةَ المدى بيضَاءَ الظِلالِ ، مَشوبَةً بِزُرقَةِ الحياةِ إذا ما اِنعَكَست أرواحُنا عَليّها ، لِتَتَناثَرَ سَمَاءاتٍ كُثُر في عَيني الرامِقَةِ ، أُبَدِلُ السَمَاءَ كُلّما بَدّلتُ رِدائِيَّ ، بَدَت لي حَياةً جَديدَةً الّقاني فيها ذو دَورٍ جَديدً ، كُلّما رَفَعتُ بَصَري تَنّقَلِبُ الأشيَاءَ ، كَمَريا مُحَدَّبَةٍ ، و أُخرى مُقَعَّرَةٍ ، و أُخرى مُنّسابَةَ الزوايا ، تَعكِسُني ، فَتغّدوا أَجساداً أُخرى غَيِريَّ ، التي كانت و انشقّت مُدُنٌ لم تُطمَث قَبلُ ، أن تَلِجُها أَرواحاً تَتَعَتّق ، مِن بُؤرَةِ التَأمُلَ ، للحَقيقَةِ التي نَقَشَت هَيكَليَّ ، أكتُب النّجمَ الذي قَد فَنَى و بَدى جَسديَّ بِهِ مُعَمّراً ، لا يَصِلُ ِفناؤُهُ إلى عَينيَّ لِتَستَغرِقَ رِحلَتَها السمائية آلاف السِنينِ الضَوئِيَةَ قَبلَ انِجلاءَ وَهَجِهَا ، رَيثما تَتَجَعّد الَأشياءَ و تَنفِرُ مني الكلمات يَتَجَعَدُ كُلُ شيءٍ في مَجاليَ وَتَتَكَلَسُ الذاكِرَةَ مُنصَرِفَةً لحَظَتُها في ذا المجالِ الكوني اُصادفُ ثُقبي الأَسوَد كَيفَ اِمتَصَّ عَيني و لم يَذَرَ لها حتى بؤبؤَها فَالعَتَمَةُ زادة حِلكَةً زادَ نوريَّ بِحِلكَتِها و تَرَكَّبت الأَبجَديةَ المُغطَّاة بِسائلِ ثُقبي الأَسوَد لِتَتَكَومَ بَلاغَةٌ سوداءَ الإِحساسِ غَيثاءَ السَريرَةِ بَدت في أَرديَتي كَعَباءةِ الإخفاءِ أو تُراها أَشدَّ خُفيَة تُحيلُ بَينَ النفسُ وَ جَسَدَها دون أن يَضمَحِلَ شيءٌ مِن ذلك تُعطيني بِصَمتٍ كُرَتي الوهّاجَةُ أن ارمي رَميَتَكَ الدُريةَ تبلغُ مَبلَغَ التأملَ في أرواحِ من رَحَلوا سَائغينَ النِداءاتِ المُتَراكِمَةَ تَعلو لِتَتَحَطَمَ اصنامٌ لم تَبرُح على مَعابِدِها البومُ والغِربانُ أَعشاشَها المجَدولةَ في عَيّنِ مَن جَفّت مَنابِعَ اَشواقِهم بَعدَ طولَ الفِراق ، و تَنفُرُ منيَّ الكَلِمات ، فما عسى القَريبُ مني أَن يَصِفَ الحَيَاةَ بِقسّوَتِها ، و هو جزئٌ مُنصَهِرٌ في قالَبِها ، هَكذا أُقبِلُ مَرةً بَعدَ مَرة ، رَحيمٌ في مَكنون ، كُل روحٍ تُصادِفُ هالتي ، لأَكتُبَني دُروباً أُخرى .

تعليقات
إرسال تعليق