سماء لا تعرف النهاية



من وحيِّ الحقيقةِ هاجرت اليَّ الكلِماتُ تباعاً شاهِداتٍ بِمَكنونٍ بَاتَ يَنمو في أَعماقي ، حتى اِشتَدَّ عودُها وَبَدت مُنخَرِطَةً بي ، و اختَلَطَة بِسيلِ الدِماءِ ، مُستَويَةً على شَراييني ،  يَنزِفُ  الحَرفُ عَليَّ كيفَ اِستَهامت اَشجانيَّ على صَهرِ الوجودِ المَنقوعِ بِذي الدِماءِ ، يَخرُجُ مِنها الشُعاعُ ، وَميضاً أَعرِفُهُ من لونيَّ السمائي ، فأراهُ شَبيهَ النُجومِ البيضِ في الليالي المُحاقَةِ ، يُنادي الحَرفَ المُخَاضُ بِرخامَةِ لُغَتي ، يا أيُهَ الوجود الُمستَنارُ في المَدى ، بِلا ضُمورٍ يُزيلُ أَثَرَكَ في السماِء مادامتِ تَرِدُ المعاني ، لِتُشَكِلَ حَيَوَاتٍ مُشرَئِبَةٍ بِنطاق الوميض الُمتَفَتِقِ من أجسادي الصلبة و الهُلام ، هَاك تأملاتي عندما أُودِعَت في أفلاك مُختَلِفة ، لِكُل فلكٍ ألوانُه و أوطانُهُ المَقصودَةَ بي ، ترويني بين مدنها الساهرة ، تُومِضُ السِكَكُ والأَزِقَةُ والساحاتُ العمومية ، لِتَصطفَّ كائناتُها الجرحى مُعَبِرَةً عن دواخلها ، بِكرنفالٍ سنوي ، فتجدني أرض لكائناتٍ راقصاة ، تُديرُ الرؤسَ المُنسَجِمةُ في كوكبتها ، وَتهتَز باهتِزازتِ نَبضِ مُطرِقَةَ الغَمَرات ، و على أوتارٍ عَذّبَةِ العَبَرات ، تُجيدُ حَبكَةَ الملاحِم ، و تَجدُني مِعصَرَةً لكائناتٍ أُخرى ، تَعصِرُ نَبيذي الُمعَتَّقَ لِتُرسِلَهُ نَديّاً ، مُنّتَشِراً ، على رؤوسٍ خالطتها الثمالة ، من شِدَّةِ المُنَادَمة تُغَني على أحلامٍ بَدت مُستَقِرةً في نُخاعِ ذاكِرَتي ، و تجِدُني تنّورُ حب لِكائناتٍ تَخبِزُ أَرغِفَةَ السلام ، لِتوَزِّعُها على رؤوسٍ أيقَنت هلاكها بمجاعةٍ ، فَتقتاتُ عليها بِشراهةِ المُتَلذِّذ الذي لا يَعلَمُ ، كم بَقيَ لهُ من زمان ؟ ، قبل أن تَنّزِعَه مِن ظُنونه ، و تَفُكَهُ مِن قيدها ، في مَسيرَةِ الجمالِ الأخّاذِ ، تَحكي الألَمَ الُممتَطي طاقَةِ الإنبِعاث الكوني ، و زَفَراتٍ بِشَهَقاتٍ ، تُرسِلُها أرواحٌ سَكَنت أجسادي الُممتَزِجَةَ ، تَحكي الأبجَديَةَ لُغَةً للوجودِ الُمتَجَدِد ، فَتراهُم تَفَيَؤوا ظِلالي ، حتى يَنّحَني فيني القائمونَ أشوقاً و الصائرونَ إلى دُروبيَ المنّشودَةَ ، و الُمستَبصِرونَ بِعَيٍن شَقّت قَلّبي ، فَتَهلَّلت أَسطُحٌ صَقيلَةٌ ، نَافِذَةُ الَمشاعِر ، لأكتُبَها بِوجهٍ سَنائي الرَوافِدِ ، شاخِصاتٍ إلى السماءِ ، تَجذُبُ الرُكامَ السّاقيَ لِتَسيلَ ، مَوارِفُ الُمستَغيثيَن ، بعد هَجيرٍ  غَمَرَ الجميعَ بالوجع ، هكذا حانت بِدايَاتي مِن تِلكُمُ الكَلِماتُ ، الحاضِنَةَ أَوّطان الألَمِ ، ها قد تَبلوَرت و استَرسَلت في طَريقي ، عابراً بِها مَساحاتي الُممّتَدّةَ ، تزدادُ بُمضيّي خِلالَها ، دَرَجَةَ حَرارَةَ جَسَدي ، مِئَةَ حُبٍ يُغيثُ قَلّبِيَّ مِن جَفافِه ، يَومَ بدى حالِماً ، مُستَلّقياً على خَمائِلَ ، مِن ارتِواءِ أَفئِدَتِهم ، فَنَبَضتُ بِكُلِّ اسمٍ يَسّكُنُني ، كم سَرَّني أن أَكتُبَني بِنقاءٍ يَتَراكمُ ، و هذا الوَحّيُ لمّ يَنّقَطِعُ رامياً أن يُمَهِّدَني ، لِتَجلّي الَأنّفُسَ السّائِحاتِ في دُروبي ، ناسِجاتٍ أردِيَتي ، يَومَ أنّ تَعامَدتّ أَعمِدَةُ ذاكِرَتي مع شَمّسِيَ المُضيئَةَ ما بَيني وَبينِها واستقر ظلّي مُؤذِناً ها قدّ حَانَت صلاتِها    

و بِتُّ أُرَتِلُ تَعاويذَ العِشّقِ يَومَ أن سَحُنَت بَصيرَتي تَأمُّلاً في قَلّبي ، و ذابت طُقوسُ الهَوى فيَّ تَوَجُدا فَلم أَعُد في مَكانِيَّ الُمستَنيرِ ، كما كانت حكايتي ، في سمائيَّ الأولى ، فَصِرتُ أنفُذُ من قاع إلى قاع أَكثَرَ عُمقاً ، لِيَعكِسَني في الوُجوهِ أَكثَرَ وضوحاً ، شفافٌ بالقَدرِ الذي لا تَراني وأَنتَ أمامي ، تََتَفحّصُ وَجهَكَ المُلقى ، في حَاويَةِ النسيانِ ، لِتُولَدَ الوجوهُ مِن جَديد دون أن تُدرِكَ طَعمَ الألَمَ ، الذي حُقِنَت به ، ومِن قاعٍ في غَورائي أجِدُني مُقَسَّمَ الرأسِ ، وُجُوهاً للتَأملِ ، تختَزِنُ السُحَنُ مِن أَرواحِ العابِرينَ في دُروبيَّ العَدِيدَةَ ، فَتَراني لا أكتَرِثُ بِوجُودِها ساعِياً في أوطانٍ أُخرى ،  بمثابةِ المتاهةِ الُمتداخِلَةِ في قَلّبِ غابَةٍ شائِكَةٍ الأحراشِ في فَلاةٍ مُمتَدّة يَحويها الُمحيطُ الزَاخِرُ  مِن كُلِ مَكانَ  وثَمَّةَ نورٌ يَنشَقُ من جُمجُمَتي صَخرَةٌ تاهت كَجِرمٍ في السَمَاء ، و اختَلَفت مَعَ حِزامِ الكويكباتِ في فَضَاءٍ رَحبٍ ، تَدورُ فيهِ الحُرُوفُ و تَتَراصُ ، في نِظامِها النَّجمِي الُمرَكَّب .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطوات مسافر

كواشف

مكان لا يشبه الأماكن