أهوي وأنا أكتب !

أهوي وأنا أكتب ! 



أرتدي معطفي الصوفي المعتق بغزل إكسير الحب فيه عندما ابتعته من متجر العشّاقِ وسط المدينة ، لتملأ المكان حللاً وثيرة مبثوثة ، وعند لقاءاتي ألحانٌ تُعزَفُ على أوتار أُخِذَت من نياط القلب ، أُطلِقُها أنغاماً على رتم نبضي ، فأحببتك شكلاً مصيرياً للحياة التي تجري افلاكها الدوارات سائحةً ببحاري الزخارت ، فازدانت حدائقي المنبسطة على طرقات المدينة ، وكل شيء قد نَبض له قلب يحب بشغفٍ وانسجام .
 أصعدُ الردهَةَ بانتظامٍ في الخطى ، أصبو إلى وجع في النفس قد دب في طريقي حتى تراءت حياتي  للبوح أمامي ، و تتفكَكَتِ الأرضية من تحت قدمي ، تتناثر وتفترق قطعاً صغيرةً ، ثم تتلاشى كأنها تخبرني لغَتَها الأزليةَ عن قصةٍ حُبلى ، تطوي المادةَ ، فلا أشعر بشيئٍ يحتكُ بحذائي لأرتَكِئَ عليه ، وكما اعتدته دافئاً آمناً يمدني بالطاقة الكامنة المنبثقة من جوف الأرض إلى رأس عنقي ، أسطورةً لولادة ابجديتي المكنونة ، فما زالت حساسةً تُغَطي نفسها بقشرة تطلب النضوج لترى النور ، تُضيئُ له ثُرياتِ و مصابيحَ الردهةِ ، فيتفقس بيض الأحاجي المتراصة بانتظام القوافي إلى بحورها المشتاقة ، لغةُ بها تنبض الغبراء بنبض إفئدت ساكنيها ، حتى يشترك الكل في معزوفة الحياة الملقاة بين أجرامي السابحةَ في فلكِ الذاكرة .
 يخطَفُني القلمُ إلى جوف مملوء بالحبر ، لا أكاد أراني من قتامته ، بيد أن بصيرتي باتت تنظر الكون بوضوحٍ عالي ، يحد من انفصال جزيئاتها عن بعض ، لتُشَكَلَ بِقَالبِ الألمِ المُعتَصَرِ من كل ذلك ، قَلبٌ أَعشى على العَتَماتِ بِتَوَهُجٍ يَنسَدِلُ نَحوَ قُعرٍ لا أَرضَ لها ولا فراغ ، هائمٌ يأكلُ من جسدي فأكتُبُ الوَجَعَ مرةً بعدَ مرة ، لأبدو رشيقاً في تناول فوتوناتِ مَن قلوبُهم النائحة حبيسة حرفي المتكبب في مجالٍ دوار ، يدور به العشّاق سماءاً وهياماً ، راقصين على جسدي في نشوة تَعمّرت أعمدتها المزخرفةِ على جمبٍ للقصيد المنشور في فلاة الذاكرة .
 لم أعد أعلم أين أنا بالضبط ؟، أفي سماء أخرى أم سمائي المُتَراميةَ أسفل بؤبؤ عيني ؟ ، أكاد لا أشعر بجسدي كما الحال  في السابق ، يلفح الهواء الساخن وجهي وجسدي الهولام ، ليختلط الوريدُ بالشريان ، والدماءُ بأمواه عُصِرَت من  جناني المقروء لغات للآلام ، لا تعرف شعباً ، ولا عرقاً ، إلا غمرت سلالاته وامتزجت بكل ما يقابلها ، حتى تركبت من ذرة متأججة ، تدور أحرفي في مجالاتها الممغنطةِ بِسُرعة هائلة ، دون تصادم يسلب قالبها من سرديته ، حتى النوات بدت مكعبة الشكل مدببة الزوايا محمرة اللون ، من وجد يصهر التأمل هجير في المدى ، ينسج النسيج بتاركم الأوطان على درب الهوى .  
 يأتي الخريف يعري كل شيء من وهم يغطي العُمقَ ويفصله عن روحي ، حتى يتبدد ، وتُضغَطُ أنفاس الساكنين إليَّ ببعضها ، فتغدوا نَفَساً واحداً ، يُرَشُ على جسد لغتي ، لتلتئم جراح جَفّت من نزفها ، خالية من نفل للسراح غَائرةً لتلتحم قطعة واحدة ، فتبدو كأن لم يَمَسّها الضُرُ في يوم تمرغت فيه بصروفه المتنوعة ، صَقيلة السطح ، لا معة الجوهر ، عاكسة لضيائي بلا ظلٍ يُشَيعُني في انصِبابي ، أهوي باستمرار في ذالمدى البعيد ، ويستمر الهواءُ بهبوبهِ المتزايدِ ، لأُدرِكَ المسافةَ التي مضت ، وقتاً يدور بلا توقفٍ لألتقط أنفاسي ، وكأنه يحكي لي خوفاً أني سقطت من بروج مشيدة ، بعد أن وَطِئت قدماي أسطحها ، فما كانت إلاعنق دماغي ، فها أنا ذا أندفِعُ ولا أُبالي ، أنفُذُ من الأشياء التى في طريقي نحو بؤرة الكتابة ، وأشعُرُ بكل شيئٍ تمر عليه هالتي الممتدة ، تلا مِسُ الأشاياءَ حولها ، فأنصهِرُ بها شكلاً آخر يولد في قلبي ، فأكتُبُهُ في رُبى الكَلام ، أدباً و لحناً ، وأَلِجُ من خلالها ، لِيَعّلَقَ بي شكلٌ جديدٌ ، وَ مولودٌ يَتَخَلّقُ التَأَمّلَ حتى حان مخاضهُ ، روحاً وصهِراً ، يتشكل الجِرّمُ المُمتَدُ في قصيدتي ، أشكالاً مُتَعَدِّدةَ ، تعود إليَّ في انسجامٍ مع حُلِيّي الباهضة الثمن ، الثقيلة الوزن ، مقفرة المساحة مع طولها ، اتقلدُها وَيَتَجَعّدُ القلم بيدي فيختلفان ، و أفقِدُ راحتي بأناملها ومفاصلي ، و أبدِلُها بريشة للكتابة ، فما عدت قادراً على امتطائ شيءٍ ، و مُمسكاً بمحراثٍ بيدي ، سوى أني أكتبني ، فأنظر إليَّ من جانبٍ آخر بدى لي مظلماً في وقت مضى ، سوى أن رحلتي لمكنواناتي تُشِعُ إيماناً ، تَغمُرُ الهوى الأسيفد، فَتَسيلُ غيداءَ مشرقةً بهذيانِ السقوط ، فلا زلت أَهبِطُ إليَّ ، فلا أجد فرقاً ، بين الاتجاهاتِ المتعاكِسَةَ ، فَكُلُ الطرق توصل نحو حلقة من حلقات الأبجدية المتشابكة ، بين القرار على أرضية أمارس الحركة فيها كيفما تحكيه سليقتي ، نوتَةٌ للحياةِ تَتَحَرَكُ عازفةً الموسيقيى الحَزينَةَ بِنوتَتِها المُتَقَطِعَةََ صبابةً ولوعةً ، تُناجي الحائراتِ المنصهراتِ على خلايايَ ، تتكوم الأنغامُ عليها ، فتقشَعِرُ من صقيع الشوق ، حتى تصلبنَ غائباتِ الوعّيِّ عن مَن حَولِهِنّ ، بيد أن أشواقي حَمَلتهُنّ رَحمَةً ، نَحوَ أفران اللقاء ، و أشعَلت كل زوجٍ يَذوب في الحرير ، فتزدان الأشياءُ المعشوقةَ بارتدائها حرير ذكراياتي ، فلا أشعُرُني إلا متشبعاً من سائِلِ عاطفتي المقطّر ، فواحةُ المنظرِ تَسلُبُ اللبَّ بِنقاءِ الإحساس المفرط ، لم أزل أصِلُ بعد سنين اِنقَضَة إلى الذاكرة ، لأجِدَني منذ أن فُتِحت تلك العينين ، لأرى العالم كيف انصهرت في كل شيئ تقع عليه هالتي الممتدة في مجالها ، المدن التي زرتها تجعدت ، فاستدارت حول مِحورها لِتَتَكورَ في بؤبو عيني ، وتَنفلِقَ في قَلبيَّ كَمُدُنٍ ضَبَابيةٍ يَسودُها الصمتُ والجمال ، فتستنشقُ اُكسجين أيضي النّقي ، بطعم الألم المحلى في كوب الشاي الخاص بوقت الكتابة ، تلك تأملاتي كيف نمت وتنوعت ، لتستوعب آلامي دون تكدر . 
لا زلت أهوي باتجاهٍ معاكسٍ لِحَركة المد على ضفافي المرسى ، أحرفٌ تُذيبُ قَمَراً وضاءاً ، يرسم ظِلَهُ بِرِقَةٍ فيَّ ، على حدود السَحَر ، اِلّتَقَيّتُه قَبّلَ أن تَعرِفَ عقاربُ الساعةِ حَرَكَتَها ، ولا أعلم له حدُ غَيّرَ أنّ البقاءَ فيه ، قِنينةَ نَبيذٍ مُعَتّق ، من سَلفِ حُبّي وَ وَحّيِّ رُوحِها ، اَسقي قَلبي أقداحَهُ المتتاليةَ ، كل ما ثملتُ نَمَت أغصاني ، من تَجَرُعِ النبيذ الأحمر أكثر ، و ازدادت لَهفَتي بِتَرَنُح وازداد لفح الهواء لوجهي ، حتى السيجار الكوبي ، لم تعد تُزهِرُ أنفَاسَها ، ولم تعد القدّاحةُ قادرةً على الصمودِ ، أمام اندلاقي المتواصل ، هكذا تحتجب عني كل المسافات التي آويت إلى احتوائها، قاطع أرضاً تِلّوَ قَمَرٍ ، أَحيكُ حُدودي بِردائي ، فَيَغدو رداءاً للروح أكثرَ من أيِّ وَقت مضى ، يرفو كل بقعةٍ تَنّبَجِسُ منها أنهارُ لتأملاتِ الجوعِ رَغيفٌ للشَّبع ، و لتأملات الوَجدِ أرقٌ للسهر ،  لكيّ يَكونَ للقصيد وقعٌ يَرتقي بالُموَّاقِعاتِ إذا ما أَجمعنّ على بلوغ السماء ، التي تتشكل بها عظمتي بأعمدتها المتشابكة جلالاً ورسوخاً ، هاقد حان اللقاءُ بي ، تُرفَعُ مدرجاتٌ من أحجارِ كَلِماتي على أسطري السوداء ، خلف كل مدرج تجد روحاً تَنعَمُ و تنسَدِلُ ، على مساحةٍ تَطولُ وتَطُول ، إلى أن يحين عَصرُ الحَصَادِ عِندَ الشَجَرةِ المذكورةَ في نبوءتي ، وَعَدَ العشّقِ النّابعِ من ذا الوادي الغائر ، اتنبئُني رُزَماً مِن السيلات كل صباح ، عن ماذا كتبت في الأيام الخوالي ؟ ، نَمت أَحرُفي في كل ضلعٍ ، يَجثو مِن ثِقَلِ ما حملت ، حتي انشقت أنسِجَةٌ للذاكرة ، فأسفَرت عنها قائمةً لأدواري ، أن تكون نديمتي ، يوم أن هُجِرت مزارات ، و عُطِلَت مباني و حوانيت الهوى ، ونُصِبَت خزائنُ الحبَ مُستَقَراً لِلُفَافَاتي ، حتى ضاقت بِها الرفوفُ ، وكادت أن تَتَفجَرَ الدماءُ . حتى أودعتُها نسياني ، لِتَتَمَتّعَ بِبَقائيَّ السرمديُ في ذاتي المنصهِرَةُ بِلا صُهَارةٍ ، فأتنبئُني و أنا أحمِلُ صولجانيَّ الذائبُ في كوبِ قهوتي ، أرتشِفُهُ بروية أكثرَ ليكونَ للمُلّكِ دينٌ تَتَذوقينَهُ ، فَيُورِفُ للحَياةِ أَبجَديةً تُصاغُ كَعَناقيدِ الذهبِ ، قَبّلَ نهوضي و سعّيّي ، نحو الخلاص من شائكةِ لُغَتي ، تَسنَحُ لي أن أكتُب و أكتُب دون توقفٍ ، فتنمو أشجاري الباسقات ، لتجود بظلٍ يُعطي كلَ شيءٍ لِقاصدها ، و تَمنَحَه بَفطرَتِها سببٌ ، آخر للعيش ، و تَتَساقطُ ثِمارها ، وابلاً يُغيثُ الجوعى ، لتجد النّفسُ التائهةُ ، ملجئ ، بعد أن عَفت عليها الدهور القاسيات بقحطها الشديد ، لا تُبقي و لا تَذَرُ قطرةً رَطِبةً إلا امتصّتّها ، تَصَحُراً يذيق النفوسَ ، قسوة الحياة المتراكمةَ على صدري ، و أَتنهّدُ بِحُرقةٍ مُنادي سلوى للوجع ، يا أيتها الأغطيةُ التي تبعث الحياة بعد رحيل الراحلين قنوطاً ، إصطفّي على أرضي المقصودةَ  ، و احتويني لأمحو أسىً ، بات يطوف بساحتها ، و يُغَيّرُ عَتَبَةَ مأواها ، مُهدِداً ما كان بعدك با لإنقراضِِ ، عُنواناً لِِروايةِ التطورِِ ، يُتحِفُني مُنتَخِباً شكلاً جديداً للكتابة .

 و أخذتُ أصفُّ الحروفَ ، من جديد ، و أنظُمُ القوافي ، و أَحَطُّ في سَوَاءِ الأفئدة ، فَأجدني شعباً كثيراً يُرَدِدُ سلاماً سلاما ، بِتَجمّهرٍ فلا احتمله أكثر من ذلك ، لِتَأخُذَني هذهِ الأُحجِيَةَ من واقعي ، لأَكتَشِفَ للقَلبَ قُلوبٌ تَنبِضُ بَنَبضِِ أُمّها ، و أرسو بسفينتي على ضفاف دمائها ، أمواجٌ هادرةٌ تَدُبُّ الحياةُ بها مُذعِنَةً كُلُّ العواطفِ ، التي تُولَدُ في كُلِّ ثانيةٍ  ، أنَّ قلبيَّ بيئةٌ قَاسيةٌ للعيشِِ ، لا تنتظرُ الاستقرارَ لتَهّنَئَ به ، أَتَأمَّلُني بلا إدراك ، فَأَهرَعُ إلى الآتي من صومعتي ، لأقراءَ كتاباٍ في فنونِ الأزياءِ و أَجِدُ أَغطيتي ، فيَّ أزياءَ تُلبَسُ عيداً عابراً للذوات المُكتَسية رِدائي ، وعلى ساحل التأمل ، أدلفُ نحو العمق شيئاً فشيئاً ، تُغَطيني المياهُ و في لُجَتِها أَعوم باستِقامة تُزيل العكر ، و تَختَزِلُ المسافاتِ ، حتى تَحينُ نُقطةٍ في القاعِ لا تكادُ تَعرِفُ ضياءَهاَ مِن سُويدائها ، وضائةً كمشكاة نجمٍ يَتَوَهَجُ نُوراً مَمزوجٍ بِثُقبً أَسوَدٍ دوّامٍ  ، يَتَشَقَقُ لَهُ الماءُ طريقاً إلى سطحِهِ ، فوتنٌ يَصعَدُ كاسراً السَطحَ ، ليُحَلّقَ بعيداً في السماءِ ،  مرآةُ  يَعكسُني القَمَرُ على حرفي ، أغوصُ نحوِيَّ كل ما أتَغَيَرُ ، لأَعرِفَني خارج السراب دائباً ، أحبَبَتُ كُلَّ سابحاتٍ في المدى ، تَنثُرُ جماليَّ بأشكالٍ لا تتكرر ، إنها أزواجٌ تَتَحَولَقُ ، لأصيغَ خَياشيمها ، كيف تتنفس شهيقي و تَطرُدُ زفيري ؟ ، كيف تتغذى من جسدي ليزداد انقسامُ خلاياهُ ، من اثنيتين إلى أربع ، ومن ثلاثٍ إلى ست خلايا ، أزواجَ الحياة وضاءةً تجلي العتَمَةَ مِن حولها ، و مدارُ قَعري يُرى النور من شكله المشع ، دُرَراً تَتَلاطمها الأمواجُ العاتيات ، متوالدةً من قاعٍ يرتفع به المنسوب ، إلى قاعٍ أعلى منه ، و يَستوعِبُ القاعَ الأسفَلَ مِنهُ أشواقي ، أيوها العشّقُ المذابُ في الماء ، ماذا دهاكَ تصنَعُ من حيتانها العظيمةَ عِقداً تُزينُ به جيدَ المعشوق ، لتُجلجِلَ روحي بصَفيري الكون يَنحِتُ في كلِّ لحظةٍ تَمُرُّ على هذا المحيط ، لتَجِدَهُ ازداد تعمقاً بلا توقف ، لعلي ألامس أرضاً تدفعني للعودة من رحلتي ،  ولكن العمق يزداد نورا كلما اقتربت من بؤرة روحي .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطوات مسافر

كواشف

مكان لا يشبه الأماكن