خريف الألم
لمعة تتألق في هذا الوجود ، شكل آخر يتجلى من بؤرتها في هذه الحقبة المحيطة بي ، فيبدو بريقها دائريا بعض الشيء ، مائلا إلى الحدة في منتصف قطره ، ليشكل زاوية أخرى لم تنشأ من قبل ، تحكي بكل رقة حكاية الألم ذو الخامة الملكية المزخرفة بأبجديات اللغة ، فقد كانت آلام البشرية من قبل تقسم إلى طبقات كثيرة ، لكل طبقة سمة وعمق وطعم يحكي حكاية إنصهارها المعتاد في أحلمنا وأيمنا ، وشكل ليس بالغريب يرمي الذاكرة إلى شعبة الشيخوخة ، وربما كان المنتمي إلى جنس النقاء هو على رأس هرمه وهامته الأولى ، وربما كانت القصة المنبثقة من شمس الصباح المسفر والسعادة ، نوع عميق ومتمزق ، وبعد آخر لا يدرك ألمه بسهولة ، كما يدرك ألم الظلمة الحالك والألوان الداكنة ، عندما تشكل تجاعيد الحزن على وجوه البؤساء ، ومنها ما هو من طبقة العبيد ، لا يكاد يحس ولا يعرف له غاية ، ومنها ملا ينتمي إلى هذه الطبقات ، فكان لألمه غاية أخرى تلبي نداءات الطبيعة العميقة ، وتستجيب بحساسية بالغة إلى التغيرات الكونية في هذا البعد السحيق .!! فكانت ترسل بريقها المتألق بديباجه الطويل على قطار الشمع ، ليصف روعةروحك العميقة بين ثرى عينيك ، فهاهي الآن متأملة بكل هدوء ودقة لتلتقط كل ذلك وتصوره أبعاد أخرى في مخيلتك البتول ، فكان تصورها كتاب يلقي بلغته شعرا على شطآن مخيلتي تلك ، فتحوم أموج فكري حوله لتذيقه في كل مرة فلسفة أخرى تعزف موسيقى الصمت ، فيقتل الضجيج والاأفكار الأخرى التي تشكلت فقاعاتها من عبث الأطفال في هذه الحياة ، إنها الحقيقة في سمفونيتها الأم ، فياأيتها الأذن الأولى ، اصغي بحس مرهف لهمساتها ونغماتها المركبة ، ودللي روحي بعد سماعك هذا الأزلي ، فلن تجدي خلف هذا الحس سوى مملكة أخرى نشأت على انقاض بلاط السعادة ، واستقرت على عرش القرى من حولها ، لتبدد صورتي المكسورة عن ذاك الماضي الزائف ، فيا روحا تاهت في ظلمة الحياة الأولى ، هلمي بنا نفتح شق في هرم الوجود ، لينفذ من خلالها ضوء يضيئ الربى على مدارها الأفقي ، في مزيج يبدد ظلمة المجهول ، وهاهو الآن ينتشر شيئا فشيئا ليعم أرجاء المكان ، بلمعته الدافقة إلى أعماق حلكته ، ولا أدري هل كانت بلورات ضوءه تنتشر في الفراغ للتتغذى بشراهه على أسئلة الصمت الأولى ، أم أن الصمت كان جوابها الوحيد في متاهة الحقيقة الزجاجية ، أم كان لإيقاعها الذي يعزف منذ مدة أثر في تحفيزها لأداء رقصة الانتشار هذه ، وريثما يكون كل ذلك ، اسحب قلمي لأرسم مخيلتي عن قرب ، لأرسم التصور الذي افتقده بعد الحنين إلى ولادة لغتي الخريفية ، فلعل فلسفة العشق بين الخريف وألم الكتابة عندي يرويان فصل جديدا من فصول السنة ، ورواية جديدة تحكي الأبجدية ..!! خريف يشكل عمق الحياة ، حقيقة تنبلج مع صباح الريح الخريفية ، لون يغريني أن أقطف الأوراق التي أخذت بالتيبس ، فتذكرني بقلوبنا عندما تنبض لحن الحقيقة خلف سراج الآمان ، فكانت لغتي تنمو وتترعرع ، وتسقي نفسها سبعا بالأرواح المتألمة ، وأخرى تحيك الشعر حياكة كما تحاك الثياب المخملية ، نظرتي تتبدل وتتغير كلما كبر الزمان وتعتق المكان ، اخفي لهيب الشوق عن عينيك ، واحبسه في زجاجة عطر اهديها لك مع لغتي ، تنثرها الأيام على شاطئك البعيد ، تبدأ متعجبا برشه ، وتستنشق الحقيقة عبقا يلون الخريف بلون آخر ، فلا يبدو خريفك حزينا كالمعتاد ، ولا يبدو لعيد هذا الدهر بداية يعرف بها ، أخذت المرسم القريب كفنا للحرف ، ورسمت الحد الفاصل بين الفكرة والرمز ، حيث آن للكتب أن تقرأ رموزها للبشرية ، و تنضح اللغات من جوفها للكتابة ، وقتها سيكون للبيان سحرا آخر لتمازج اللغات ، وسيكون للحرف لغة أم تحكي روعة هذا التنوع ، لغة أخرى تحاك من ذرات الرمال ، إنها صحراء الكلمة تعبرني ، فها أنا الآن أكتب للصحراء في فصل الخريف نصا لا يشبه النصوص القاسية ، فقسوة البادية تبدو جلية في قصائدهم مهما كانت تنبع بالعاطفة ، امسك مرة أولى بقلمي ، تهرع مسرعة إليه الكلمات ، قرطاستي ذاكرة أخرى ما فتئت تسجل كل ذلك ، فلا يبدو القلم هو المتحرك كالمعتاد ، ولا تبدو السطور التي تسكنها لغتي ممتلأه بعد ، بعمق الكتابة نحوك ، حتى كاهلي بات في فراشه دون أن يشكو ألم افتقار الحرف ، أملأ كوبي بقهوتي المحلاة ، ارتشفها ممتزجة برائحة الدماء ، يبدو أن الخراف كالخريف تشاركني تركيب اللغة ، إنه العيد يلهمنا في كل مرة بدمائه المقدسة ، فها نحن نطلي الحرف بلونها الأحمر المقدس ، فتتشكل لغة أخرى عنوانها خشوع العبادة ، وإيمان آخر يطرز الحرف ، حتى يبدو مرآة أخرى ، تعكس الألم ، تعكس صفحة الحياة الأولى .
إنبثاق الحقيقة من الأنا ، مصير يدور كما تدور الرحى لطحن القمح ، ولغة نخبوية تجمع الشتات قبل الرحيل ، وحين اللقاء أبصر بأعيوني جمالك الذي يغطي جنبات الطريق ، وروحك لغة أخرى تدون كل التفاصيل ، بصمة وراثية تدل على كل فصل من فصول الرواية ، لكل فصل لغة أخرى لا تتكرر ، وحقيقة أولى تحوي كل ذلك ، وخريف يمتص الحزن ليشهد ولادة هذه اللغة ...!!?
إنبثاق الحقيقة من الأنا ، مصير يدور كما تدور الرحى لطحن القمح ، ولغة نخبوية تجمع الشتات قبل الرحيل ، وحين اللقاء أبصر بأعيوني جمالك الذي يغطي جنبات الطريق ، وروحك لغة أخرى تدون كل التفاصيل ، بصمة وراثية تدل على كل فصل من فصول الرواية ، لكل فصل لغة أخرى لا تتكرر ، وحقيقة أولى تحوي كل ذلك ، وخريف يمتص الحزن ليشهد ولادة هذه اللغة ...!!?
تعليقات
إرسال تعليق