خريف اللغة


على وتر الألم أضرب لحني ليعزف لي نغماته على سلم الإحساس ، فيسمعني ذاك الوصال من أعماق الحزن ، فيغدو الشوق فترة موسيقية سلكة طريقها الأرجواني ليبدد لوعة ذاك الزمان ، فيا ليت شعري لعل الخريف الذي أكتبه لغة أخرى تسقيني روح الحياة في كل هبة صمت تسبح بنعومة مع نسائمها العليلة ، وفي عمق ذاك الشعور تتحرك روحي حول محور هذا الطريق ، فتبدو الأرواح الأخرى قلقة وهي تعبره إلى النهاية ، ويكفيني من كل ذلك تلك الرعشة الكونية التي تنبع من أعماقها كلما توغلت في عبور تلك الغاية في زمان لا تدرك فيه الغايات ، وحول هذه الحقيقة تنبلج تساؤلات عبر لغتي الخريفية ، خريف يستشرف كل خطوة أسير بها وأصور أدبي صوتا أعمق من أي فصل مضى من كل فصول السنة التي تخاطب سلسلة الأيام في تكوين هذه اللغة ، ماض والعمر يطوى كل صفحة من صفحاته ، حتى الحقيقة باتت تتكشف مع مرور الكلمات ، منذ ولادة هذا الرمز ، وقلمي ما فتئ يكتب حول هذا البوح رموزا وحروفا أخرى ، فها أنا الآن أكتب بروح ملحمية رواية الحقيقة لغة للمعابد ونزر يسير من استغاثات الملوك و بقايا الحضارة المندثرة ، فيكون لون الزمان الذي يمضي خلالي لون لا يشبه الأيام ، حتى الثواني باتت أسبوع بيوم ثامن ، وربما كانت صمت يرسم عقارب الساعة بدون أرقام ، ولك أن تتخيل بعد كل ذلك أن الزمن يرجع مرة أخرى إلى الوراء ، إنه الصمت حيث يأوي منظومة الانفعالات خلف هذه الحقيقة ، وعلى أسوار الذاكرة استشرف حب الحياة أرواح تناجي قلمي ، و أرواح تطوف حول مدار التأمل ، لتصل إلى ماهيتها الأولى ، قبل أن تعانق جسد اللذة الدافئ ، ولكل نظرة قصة أخرى وحياة في بعد الألم تتلو تأملاتها تراتيل العقود العميقة ، روح تضيء ما بينها وبين السماء لتبدد كل كينونة تنبثق منها العتمة ، فيغدو هذا النهار وقورا وهو يتنفس هذا الخريف أنفاسا أخرى في هذه اللغة ، وأرمق الحرف يتمخض بسلاسة من قطرات محبرتي ، يسكن عيني بعد أن ترجل من قطار اللغة الأول ، فمال هذا الخريف يروي قصته عندما يصافح أوراق الأشجار ولا يمل من سرد باقي التفاصيل خلفها ، فراغ يسكن روايتي قبل الكتابة ، حياة أخرى توحي لذاكرتي عمق الحقيقة ، فتسقط ورقة صفراء على صفحة بحيرتي العذبة ، تخلق تموجا دائريا أرسمه بدقة على بحيرة دمي ، فباتت هندستي الناسخة أعقد في مركبها من أي يوم مضى ، وربما كان رسم هذا الألم بأبعاد ذاك الخريف صورة أوضح لتلك الذاكرة وهي تقرأ في هذا السفر ، سفر الحقيقة الأول ، خريف يهيمن على مدارك العقول ، ويدق جرسه في ساعة الرحيل ، ريثما ترفع المعاول معلنة بداية حقل جديد ، وولادة لغة غيرتها معالم هذه الرواية ، وربما يحين لقاء لا يشبه كثيرا لقاء الاجساد ، ولكنه يكفي لرسم معالم ذاك الأفق عند مفترق الأيام ، وقتها سيكون للتناقض عنوان آخر ، ورؤية أخرى بذلتها سلاسة تلك الحقيقة وانسجامها مع الأنفاس والسكنات والحركات التي تمارسها عقولنا قبل أن يحين وقت الادراك ، فالأفكار خلفها تنكر كل ذلك ، وقد تنكر ولادة حرفها الأول فلا هي اللغة لغتها ولا تلك الحقيقة التي تنطبق على أرواحها تمثلها ولا يمكن لأي خريف أن يعانق بسكونه آلامها إلى أن يحين للروح أن تتهيأ وتأخذ بالتمازج شيئا فشيئا مع تفاصيل الحياة ، أنه التجرد من كل المؤثرات ، حتى العواطف ذات الذوق الجمالي ستتلاشى كلما  انبثقة حدة إدراك العقل وفي النهاية يتشكل من نزفها فراغ كبير بين الحقيقة والإدراك ، وعند ابتداء الغاية ، تدور الرحى لتطحن كل ما هو منجذب بين نتوءات حجريها ، حتى الدموع والتنهدات والزفرات الحارقة ، تزين نكهة رغيف ذاك الحزن ، فلم يبدو من قبل بهذه الصورة رغم اعتياد تلك الثلة التي تفتش عن الحقيقة على التزود منه كلما اشتد بهم الجوع ، ولربما باتوا في غير هذا النهار خاوية بطونهم إلا من أوراق هذا الخريف المتيبسة لجفاف هذه الأيام وجفاف ينابيع الألم من التفجر أنهارا تبني الحضارة للجميع ، وعلى وتر ذاك الخريف أعزف موسيقى الرحيل ، لتنتزع الشوق مني انتزاعا كلما أثلجت جبال قلبي الأبيض ، ضجيج يضمحل و يحل محله هدوء التأمل ، شفرة عميقة تفتح بها أبواب الحقيقة ، و صمت مقبل بلغة تنحت من عمقها على صخرة الحياة ، وعلى أثير ذاك الفضاء أحلق من جديد لأروي لكم فصل لم يتغير من حياتي رغم نحيب الأيام ، وخريف بعد اللقاء ولد مرة أولى من جديد .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطوات مسافر

كواشف

مكان لا يشبه الأماكن